الأربعاء، 21 يناير 2015

اللهم قوي إلحادهم.. هذا عنوان لمقال من مخترات : ابن النيل

أصدقائي صديقاتي رواد جريدة ابن النيل المُنَوَّعة
سلام عليكم
كتب براء أشرف :
قال رجل يعمل في الأزهر مستشاراً لشيخه الأكبر إن مصر هي الدولة العربية الأولى من حيث عدد الملحدين بها، حيث تتصدر القائمة، تحديداً، بـ 866 ملحدا، فقط لا
غير.
ثم أضاف فيما قال إن «الظاهرة» يجب أن تتم مواجهتها عبر نشر ثقافة الوسطية الجميلة، التي يدعو لها الأزهر طوال تاريخه الطويل.
866 ملحدا كانوا السبب في أن تصدر دار الإفتاء تقريراً مطولاً عن الأمر، وتضع توصيات، وتقدم مقترحات، وبالطبع، تستخدم الجملة التي تفضلها مؤسسات الدولة «ناقوس
الخطر»، تدقه، تهزه، تضربه بقوة، للتحذير من أمر خطير، مصر متفوقة بالإلحاد، وبها من الملحدين ما يجعلها الأولى عربياً، بمسافة واسعة عن منافسها التالي، تونس،
التي تضم 320 ملحدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(2)
فكر وحدك، فلا أحد يساعدك في حل هذه المسألة المعقدة، كيف استطاعت الدولة الحصول على رقم دقيق يخص عدد الملحدين في مصر؟ ما هي الآليات التي تمكن مؤسسة ما، أياً
كانت، من وضع إحصائية دقيقة، تحدد علاقة البشر بربهم، واعتقادهم بخصوصه؟.
فكرت؟ وصلت إلى نتيجة؟ إجابتك لا تشكل فارقاً. المؤسسات مستمرة في هوايتها، وضع أرقام يومية تشير إلى أي شيء. عدد الملحدين، متوسط دخل الفرد، الحد الأدنى والأعلى
للأجور، عدد السكان، معدل التنمية، أي شيء وكل شيء يخضع لأرقام رسمية (دقيقة ومؤكدة)، ومنها بالطبع عدد الملحدين في مصر.
ثم اسأل نفسك.. ما المفيد في المسألة؟، ما الأهمية في الأمر؟ عدد الملحدين كبير أو صغير، ضخم أو متوسط، (هذا إن كانت هناك إمكانية حقيقية لتحديد الرقم)، ما
علاقة هذا بأي من الأشياء التي تحدث في مصر الآن؟.
هل الإلحاد مشكلة أصلاً؟. ليكن السؤال أكثر دقة، هل تشكل معتقدات المواطنين الدينية (واللادينية) أي مشكلة في نظر مؤسسات الدولة؟..
وبالطبع هنا لا نتحدث عن الدولة الممثلة في مؤسساتها فقط، بل عن السلطة بأشكالها وأنواعها المختلفة، منها الإعلام وسلطته على سبيل المثال. ولعلك شاهدت، أو سمعت
عن حلقات تليفزيونية في برامج مختلفة، تناقش الإلحاد، وتقدم مناظرات بين ملحدين ورجال دين، تنتهي بإخبار المشاهد أن الإلحاد وحش، وأن الدين جميل، وكان الله
بالسر عليم.
وفي السياق نفسه، تستخدم الكلمة ذاتها، لتبرير أحداث ومشاهد يومية في مصر عن «اختفاء الأخلاق»، و«انتشار الإلحاد».. وهكذا.. كل المصائب مرتبطة بما يعتقده الناس
دينياً، إما الإلحاد وعدد أصحابه 866 أو الإرهاب، وستكتشف أن الدولة ذاتها تؤكد أن أصحابه قلة مندسة عددها قليل جداً، يكاد لا يرى بالعين المجردة!.
اليوم نحارب الإرهاب، وغداً ننتصر عليه، ثم نتفرغ لمعركتنا التالية، الإلحاد، ثم نقضي عليه، لأننا ننتصر دائماً، وسننتظر تقريرا جديدا عن عدة مئات من البشر
يعتقدون في أي شيء آخر، نحاربهم أيضاً، وننتصر عليهم، لا شيء يعطل مسيرة الدولة في الحروب المستمرة، والانتصار الدائم المتكرر المنتظم على كل الأعداء.
ويا أخي سبحان الله، ربنا طارح البركة في كل أعداء الدولة. عددهم قليل جداً، ورغم ذلك قادرون على فعل الأساطير، 800 ملحد في مواجهة 80 مليون مؤمن، لكن ربنا
مقوي إلحادهم، ينتصر الإلحاد ويشكل «ظاهرة» يوصي الأزهر بأهمية «مقاومتها والحد من انتشارها والعمل على التحذير منها».
(3)
يومياً، أجلس أمام التليفزيون ساعة، أقلب بين برامج التوك شو المختلفة، أتابع الحديث والنقاش، ثم أطرح سؤالي على نفسي وأنام: ما الذي كان يزعجكم تحديداً في
حكم الإخوان؟.. ما الفارق بين الدولة التي أرادها الإخوان، محكومة بالإسلام والدين والأخلاق والوسطية والهوية والمرجعية الإسلامية الرائعة وبين الدولة التي
نعرفها الآن بعد سقوط الإخوان وما إلى آخره.
مشغولة هي الدولة بكل شيء لا يخصها. متألمة بخصوص أمور لا تدعو للألم. حنينة، طيبة القلب، بحيث تشغلها مسائل تبدو (والله أعلم) تافهة.
بالنسبة لي، لو أنني استيقظت صباحاً لأجد تقريراً من الأزهر عن عدد مستخدمي التليفون المحمول في مصر، فإن هذا يبدو أقرب إلى المنطق من تقرير يناقش عدد الملحدين
في البلاد.
الأزهر، الصامت وقت الضرورة، كثير الكلام وقت الحاجة إلى قدر من الهدوء. يعلن مجدداً أنه غير موجود أساساً في المشهد. يؤكد، بتقريره وبيانه، على انفصاله الكامل
عن الواقع. بل، يعلن أن المؤسسة، والقائمين عليها، تعاني من عجز عن معرفة دورها تحديداً هذه الأيام.
يعني، تخيل معي لو أن الأزهر يخصص قدراً من وقته الثمين (وميزانيته الضخمة) لإحصاء عدد أطفال الشوارع مثلاً، عدد الشباب المنتحر مؤخراً، عدد المواطنين تحت خط
الفقر. أو حتى عدد عواميد الإضاءة على طريق سريع لا تضيء ليلاً (وتضيء نهاراً).. هذه كلها ربما أمور مفيدة أكثر. بل وتتعلق بدور الأزهر أكثر وأكثر.
المؤسسة، التي يفترض أنها «دينية»، ذات علاقة وثيقة بدين الإسلام. منفصلة عن أهم ما جاء الإسلام أساساً لأجله. «الإنسان» على ما فهمت شخصياً من النصوص المقدسة.
والإنسان، يأكل، يشرب، يتعلم، يعمل، يتزوج، يربي أطفاله، هذه كلها أشياء مهمة قبل موقفه الشخصي من ربنا!.. عدم وجودها في حد ذاته يدفع المرء للتشكيك في وجود
خالق فوق سبع سماوات، ووجود مؤسسة دينية بهذا الشكل، يدفعه للإلحاد عمداً.. تقرير الأزهر في حد ذاته مبرر واضح للإلحاد، أو كما نقولها بالعامية المصرية الوسطية
الجميلة : طلعان الدين!.
إن كان هذا ما يشغل الأزهر، فلماذا نلوم شباباً مشغولين بقضية وهمية أخرى اسمها «الهوية»، ويدعون للتظاهر والنزول للشوارع بحثاً عنها؟.
(4)
هناك حكاية خيالية، قريبة جداً من الواقع، كتبها سيناريست شاب عبقري، اسمه شريف نجيب، ونشرها على صفحته بموقع فيس بوك قبل عامين تقريباً. وسأنقلها هنا، مع تعديل
بسيط في اللغة.
حيث دخل شاب مصري على والده، يطلب منه الحديث في موضوع مهم.. استشعر والده أهمية الموقف، فيبدو أن الأب والأم من بعده يشعران بالقلق تجاه ولدهما.
قال الشاب: بابا.. أنا ملحد.
فرد الأب: طمنتني، أنا وأمك كنا شاكين إنك شاذ.
رد الشاب: شاذ إيه بس؟ بقولك ملحد.
رد الأب (بالحكمة المعتادة للآباء في مصر): طيب معلش، صلي بس وادعي ربنا.
قاطعه الابن : أصلي!؟.. أكدب في أغلى ما أملك، مشاعري ومعتقداتي.
رد الأب شفت.. أدينا رجعنا تاني لكلام الشواذ.
…….
هكذا، تعامل الأزهر تحديداً مع مسألة معقدة للغاية، غير مهمة، غير قابلة للرصد، غير موجودة داخل اختصاصاته، غير قابلة للإحصاء والتحديد.
هكذا، أصبح تقرير الأزهر في حد ذاته، أخطر من «الظاهرة» المفترضة. ولعله ليس التقرير الأول، لعله التقرير رقم 866.. وهو ما يشكل بالفعل ظاهرة حقيقية.
أما وإن كان الأمر مهم فعلاً بالنسبة للمؤسسة الدينية والسادة أصحاب برامج التليفزيون الليلية.. فنصيحة من مواطن مجرب، سمعوا المواطنين أغاني ضد الإلحاد، خاطبوهم
بلغتهم.. هناك أغنية جميلة موضوعها الأساسي هو الكفر والإلحاد، منتشرة هي في مصر، رغم أن صاحبها لبناني.. زياد رحباني تعرفوه بالتأكيد.. اسمها أنا مش كافر..
ركزوا تحديداً على المقطع الثالث: «راجعوا الكتب السماوية.. راجعوا كلام القادر.. أنا مش كافر، بس البلد كافر.. أنا مقبور ببيتي.. ومش قادر أهاجر».
(5)
سألت أصدقائي، وأجريت بعض الأبحاث، وبحيث يكون الكلام دقيقا والأرقام مؤكدة.
867 ملحدا.. أعرف واحد ألحد بعد تقرير الأزهر.
*كاتب ومخرج
المصدر :
المصري اليوم
تحريرًا في :
الأربعاء 21 يناير 2015
في الساعة :
1 50 مساءًا

الى هنا نَصّ المقال
موعدنا يتجدد  قرييباً مع مقال آخر جديد
إنتظروني
تحياتي لكم
على جريدة ابن النيل   المُنَوَّعة دائمًا تجدون كل جديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق